تقرير: باسل محمود
لم تمضِ ساعات على إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن ما وصفه بـ\”النجاح العسكري الباهر\” عقب قصف منشآت نووية إيرانية، ضمت \”فوردو\” و\”نطنز\” و\”أصفهان\”، حتى ساد الذعر أروقة الأسواق العالمية، بحسب رويترز.
القصف الأمريكي، الذي أكَّد ترامب عبر منصة \”تروث سوشيال\” أنه دمّر مراكز تخصيب رئيسية بالكامل، دفع المستثمرين إلى مراجعة استراتيجياتهم سريعًا قبل افتتاح الأسواق، وسط توقعات بارتفاع حاد في أسعار النفط، وتزايد في الإقبال على الملاذات الآمنة.
الضربة الأمريكية تعني من الناحية الجيوسياسية، أن واشنطن باتت جزءًا فاعلًا ومباشرًا في الصراع الإيراني الإسرائيلي، وهو تحوّل لم تكن الأسواق المالية مستعدة له بالكامل، كما أنّه جاء في لحظة حساسة من دورة السياسة النقدية العالمية، وسط تفاؤل هش بإمكانية خفض أسعار الفائدة.
زيادة التوتر وغموض في الأسواق
في اللحظات الأولى بعد إعلان ترامب، توقّع المستثمرون موجة بيع مؤقتة في أسواق الأسهم، خاصة المؤشرات الأمريكية، قابلها صعود متوقع في الدولار والسندات والذهب.
لكن، كما أشار مارك سبيندل، الرئيس التنفيذي للاستثمار في \”بوتوماك ريفر كابيتال\”، فإن الغموض هو السمة الغالبة: \”حتى الآن لا نملك تقييمًا دقيقًا لحجم الأضرار، ولا لرد الفعل الإيراني المحتمل\”.
تابع سبيندل: \”السوق لا تُحب المفاجآت، خاصة عندما يكون النفط على المحك، وهناك قلق حقيقي من أن تكون هذه الضربة بداية تصعيد أوسع، وليس ضربة تكتيكية منعزلة\”.
النفط في صدارة المخاوف
أدى الهجوم الأمريكي إلى دفع أسعار خام برنت نحو مستويات غير مسبوقة منذ أشهر، حيث صعدت بنسبة 18% خلال أسبوعين لتُلامس 79.04 دولارا للبرميل، رغم استقرار نسبي في مؤشر S&P 500، لكن ما يخشاه المستثمرون ليس الارتفاع الحالي، بل احتمال دخول السوق في موجة انفجار سعري في حال تطوّرت الأحداث.
قبل القصف، كانت مؤسسة \”أوكسفورد إيكونوميكس\” قد رسمت 3 سيناريوهات محتملة؛ إما تهدئة تدريجية للنزاع، أو توقف كامل في الإنتاج الإيراني، أو إغلاق مضيق هرمز.
في السيناريو الثالث -وهو الأسوأ- توقّعت المؤسسة قفز الأسعار إلى 130 دولارا للبرميل، مع بلوغ التضخم الأمريكي نسبة 6% بنهاية العام، الأمر الذي قد يُطيح بأي أمل في خفض أسعار الفائدة في 2025، ما يعني تحوّلًا كبيرًا في اتجاهات السياسة النقدية والسياسة المالية على مستوى العالم.
اقرأ أيضًا: إغلاق مضيق هرمز يهدد أمن الطاقة العالمي
التضخم يعود إلى الطاولة
جاك أبلين، الرئيس التنفيذي للاستثمار في \”كريسيت كابيتال\”، عبّر عن هذه المخاوف بقوله: \”هذا الحدث يُضيف طبقة جديدة معقّدة من المخاطر يجب احتسابها، والتأثير على أسعار الطاقة سيكون فوريًا، وكذلك على توقعات التضخم\”.
في حال استمرت الأسعار في الارتفاع فإن القدرة الشرائية للمستهلكين ستتآكل مجددًا، خاصة في الاقتصادات الكبرى التي كانت بدأت للتوّ في استعادة توازنها.
وهذا ما يخلق معضلة جديدة أمام البنوك المركزية: هل تُبقي على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول؟ أم تعود إلى التشديد النقدي في ظل تصاعد التكاليف الجيوسياسية؟
الذهب والسندات والدولار.. ملاذات اللحظة الحرجة
مع تصاعد التوتر، لجأ المستثمرون إلى أدوات التحوّط التقليدية، فالذهب صعد بشكل ملحوظ مدفوعًا بالمخاوف من انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة، كما شهدت سندات الخزانة الأمريكية إقبالًا واسعًا، ما دفع العوائد إلى الانخفاض، في إشارة إلى بحث المستثمرين عن الأمان لا العائد.
لكنّ المثير في هذا السياق كان وضع الدولار الأمريكي، فرغم أنه فقد زخمه خلال النصف الأول من 2025 بسبب تباطؤ الاقتصاد، وتراجع شهية المخاطرة، إلا أن تصاعد النزاع أعاد إليه مكانته كملاذ آمن.
ستيف سوسنيك، كبير المحللين في \”آي بي كيه آر\”، قال: \”قد نشهد هروبًا كبيرًا نحو الدولار، وكلما تصاعدت الأزمة ازداد الطلب على الدولار مؤقتًا، ولكن ذلك لا يُلغي التساؤل الأهم، وهو ماذا بعد هذا التصعيد؟\”.
اقرأ أيضًا: تداعيات المواجهة بين إيران وإسرائيل.. هل يُعاد رسم ملامح الشرق الأوسط؟
هل تغيرت قواعد اللعبة الجيوسياسية؟
بعض الخبراء يرون أن فقدان إيران لمنشآتها النووية الرئيسية قد يدفعها نحو طاولة المفاوضات، لا نحو التصعيد، وهذا ما ألمح إليه جيمي كوكس، من \”هاريس فاينانشال غروب\”، قائلًا: \”قد تقفز أسعار النفط على المدى القصير، لكن الاستقرار قد يعود سريعًا إذا قررت طهران تغيير حساباتها والاتجاه نحو التهدئة\”.
هذا السيناريو -رغم أنه يرضي الأسواق- إلا أنه يبقى رهينة قرار سياسي من طهران، التي أثبتت مرارًا استعدادها للرد في أماكن غير متوقعة، بما في ذلك تهديد الملاحة البحرية أو استهداف المصالح الأمريكية في المنطقة.
هل تعود الأسواق إلى نمط الأزمات السابقة؟
بيانات تاريخية تُشير إلى أن ردود فعل السوق تجاه أزمات الشرق الأوسط غالبًا ما تكون قصيرة الأجل، فخلال غزو العراق عام 2003 تراجعت المؤشرات الأمريكية في البداية، لكنها عادت للارتفاع خلال أسابيع.
بحسب \”ويدبوش سيكيوريتيز\” و\”كاب آي كيو برو\”، فإنَّ متوسط تراجع مؤشر S&P 500 في أول 3 أسابيع من النزاع لا يتجاوز 0.3%، بينما يسجل عادة ارتفاعًا بنسبة 2.3% بعد شهرين.
لكن الفرق هذه المرة يكمن في عنصر المباغتة الأمريكية، واحتمال تحول الضربة إلى حملة ممتدة، وهو ما يجعل المقارنة مع أزمات سابقة غير دقيقة تماما.
مضيق هرمز
يبقى مضيق هرمز نقطة الفصل الحقيقية في هذه الأزمة، ففي حال قرّرت إيران التصعيد عبر تعطيل الملاحة في المضيق الذي يمر عبره أكثر من 20% من تجارة النفط العالمية، فإن العالم سيواجه صدمة نفطية حتمية.
وقد أكدت تقارير سابقة أن طهران تمتلك الوسائل العسكرية للقيام بذلك، لكنها حتى الآن لم تُقدم على هذه الخطوة منذ حربها مع العراق في الثمانينات.
اقرأ أيضًا: تشويش الملاحة بالخليج ومضيق هرمز يشعل مخاوف النفط العالمي
ما الذي ينتظره المستثمرون الآن؟
بين الضربة والرد، وبين السوق والسياسة، يعيش المستثمرون لحظة نادرة من الترقب المزدوج؛ فالأسعار -رغم قفزاتها- لم تصل إلى مستويات الفزع القصوى بعد، وهو ما يُبقي الباب مفتوحًا أمام تصحيحات مفاجئة في الاتجاهين.
وفي حين يراهن البعض على العودة السريعة للاستقرار، يُدرك آخرون أن الشرق الأوسط حين يشتعل لا يخمد بسهولة، لكن حتى ذلك الحين، فإن النفط سيبقى المؤشر الحقيقي على \”درجة الحرارة\” في هذه المعركة، ليس فقط بالنسبة للمنطقة، بل للاقتصاد العالمي بأكمله.
قد يهمّك أيضًا: الصراع بين إيران وإسرائيل يدفع الاقتصاد العالمي نحو حافة الانفجار








